السيد كمال الحيدري
41
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
وفى واحد من أهمّ الكتب الكلامية داخل الاتجاه الأشعري ، قال الأيجى في شرح المواقف خلال المرصد السادس المختصّ بأفعال الله سبحانه ما نصّه : « المقصد الأوّل : في أنّ أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله سبحانه وتعالى وحدها ، وليس لقدرتهم تأثير فيها بل الله سبحانه أجرى عادته بأن يوجد فىالعبد قدرةً واختياراً . . . وهذا مذهب الشيخ أبىالحسن الأشعري » « 1 » . هكذا تتعاضد النصوص التي تثبت دون لبسٍ صحّة انتساب هذه النظرية إلى الأشعرية كاتّجاه عام ومذهب كلامي في حياة المسلمين . وتبدو هذا العقيدة نتيجة طبيعيّة ومنطقية لإنكار هذا الاتجاه نظام السببيّة ، فمع هذا الإنكار لا يبقى معنى لنسبة شئ إلى ما سوى الله سبحانه ، ومن ثمّ فإنّ هذه الأفعال هي فعل الله سبحانه مباشرة ليس للإنسان فيها دور ، أو بحسب التعبير العلمي لبعضهم : إنّ الإنسان ليس مصدراً للفعل بل هو محلّ له . على أنّه ينبغي أن نلحظ بأنّ اتّفاق هذا الاتجاه على أصل المسألة لم يمنع من الاختلاف في التفسير والتنظير داخل صفوفه ، ليفتح الطريق إلى بروز تيّارات متفاوتة في هذا الوسط . يبدو أنّ هذا المعنى كان ماثلًا أمام محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني ( ت : 548 ه ) حين قال عن الجبر والجبرية ما نصّه : « الجَبْر هو نفى الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الربّ تعالى . والجبرية أصناف : فالجبرية الخالصة هي التي لا تثبت للعبد فعلًا ولا قدرة على الفعل أصلًا . والجبرية المتوسّطة هي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثِّرة أصلًا . وأمّا من أثبت للقدرة الحادثة أثراً ما في الفعل وسمّى ذلك كسباً ، فليس بجبرىّ » « 2 » . لكن سيتّضح
--> ( 1 ) شرح المواقف للقاضي عضد الدين عبد الرحمن الأيجى المتوفى سنة 756 ه ، للمحقّق الشريف علي بن محمّد الجرجاني المتوفّى سنة 812 ، طبعة مصوّرة ( إيران قم ) ج 8 ، ص 146 145 . ( 2 ) الملل والنحل ، الشهرستاني ، نقلًا من السبحاني ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 85 .